يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
325
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً [ يس : 80 ] فالنار من الشجر ، والشجر من الماء . تقول العرب : في كل الشجر نار ، واستمجد المرخ والعفار ، أي : كثر في هذين النوعين من الشجر ، لأنهما رخوان كالكلخ عندنا يحك بعضه ببعض ، فتخرج بينهما النار بقدرة اللّه تعالى . وفيهما الرطوبة التي هي ضرب من الماء . كذا فسره المهدوي رحمه اللّه . وفي هذه المسألة أخطأ إبليس لعنه اللّه بقياسه الفاسد . قال اللّه تعالى حكاية عنه : قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ الأعراف : 12 ] يعني آدم عليه السلام ، ولم يعلم اللعين أن آدم إن كان نقل من الطين مرة ؛ فقد نقل اللعين مرتين ، لأن النار من الشجر والشجر من الطين . وهذا الخبر وقع في خبر طويل ، يروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال : حججت في السنة التي حج فيها أبو حنيفة رضي اللّه عنه إلى مكة ، فكنا في الطريق حتى أتينا المدينة ، فلما صرت إلى المدينة قال لي أبو حنيفة : أحب أن أدخل إلى هذا الرجل فأسلم عليه ؛ يريد جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ؛ وأسأله وأخاف أن لا يأذن لي . قال عبد الرحمن بن أبي ليلى : فقلت له : أخلق به إن علم بمكانك أن لا يأذن لك ، ولكن كن معي فإن أذن لي دخلت معي . قال : فمضينا إلى بابه ، فقلت لغلامه : اقرئه السلام وقل له : عبد الرحمن بن أبي ليلى ورجل من أهل الكوفة ، قال : فرجع إلينا بالإذن ، فدخلنا عليه فرحب بنا وقرب حتى إذا اطمأننا أقبل عليّ فقال : من هذا الرجل ؟ . فقلت : بأبي أنت وأمي هذا أبو حنيفة فقيه أهل الكوفة . قال : فأقبل عليه فقال : أنت النعمان بن ثابت ؟ . قال : نعم بأبي أنت وأمي . قال : أنت الذي تقيس الدين برأيك ؟ . قال : بأبي أنت وأمي إنما أقول ذلك في النازلة أو الحادثة تحدث ليس لها في كتاب اللّه تعالى خبر ، ولا في سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا في إجماع المسلمين ، ولا في الخبر المتصل حجة ، فإذا كان ذلك نظرنا إلى أشبه الأشياء بها فقسناها عليه . قال فتبسم ثم قال : ويحك يا نعمان ما لم يكن له في كتاب اللّه ولا في سنّة رسول اللّه ولا في إجماع المسلمين ولا في الخبر المتصل حجة فقد زال عنك حكمه ، ووضع عنك فرضه ، فلم تتكلف ما لم تؤمر ؟ ويحك يا نعمان إياك والقياس ، فإن أهل القياس لا يزالون في القياس حتى يهلكوا . إن أول من قاس إبليس ، أمره اللّه بالسجود لآدم فتكبر وتجبر و قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ الأعراف : 12 ] والنار لا تسجد للطين ، فقاس فأخطأ ، فلعنه اللّه وأبلسه ، وآدم من طين غير منقول ، من صلصال كالفخار ، من حمأ مسنون ، وإبليس اللعين من نار الأشجار ، من نار السموم ، فالأشجار من طين ، فهو من طين منقول ، فقاس فأخطأ . ويحك يا نعمان أيّما أوكد عند اللّه عز